يحيي بن حمزة العلوي اليمني
14
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
لا يفتقر إلى دلالة ، ولا يحتاج إلا علامة وأمارة ، وعلى هذا حمل بيت الخنساء « 1 » : إذا قبح البكاء على قتيل * رأيت بكاءك الحسن الجميلا أرادت أن تقرره في جنس الحسن الباهر الذي لا ينكره من أخبر به وعلى هذا قرر قوله : أسود إذا ما أبدت الحرب نابها * وفي سائر الدهر الغيوث المواطر ورابعها أن تقصد به مقصد التعريف بحقيقة عقلها المخاطب في ذهنه لا في الخارج ، أو توهمت أنه لم يعرفها فتقول له : تصور كذا ، فإذا تصورته في نفسك فتأمل فلانا ، فإنه يحصل ما تصورته على الكمال ، ويأتيك به تاما ، ومثاله قولنا : هو الحامي لكل حقيقة ، وهو المرتجى لكل ملمة ، وهو الدافع لكل كريهة ، كأنك قلت : هل تعقل الحامي ، والمرتجى وتسمع بهما ، فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته ، فاعلم أنه فلان ، فإني خبرته وجربته فوجدته على هذه الصفة ، فاشدد يديك به ، فإنه ضالتك التي تنشدها ، وبغيتك التي تقصدها ، ومما يؤيد هذا المعنى ويقويه قول ابن الرومي : هو الرجل المشروك في جلّ ماله * ولكنّه بالحمد والمجد مرتدى كأنه قال : فكر في رجل لا يتميز عن غيره في ماله في الأخذ والتصرف ، فإذا فهمت ذلك وعقلته وصورته في نفسك ، فاعلم أنه فلان ، وكقول بعضهم : أخوك الّذى إن تدعه لملمّة * يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب فهذه المعاني متغايرة كما ترى ، تحصل لأجل تعريف الخبر باللام كما فصّلناه هاهنا . تنبيه إذا عرفت ما قدمناه من صحة دخول اللام على الخبر كما صح دخولها على المبتدأ ، وأظهرنا معانيها في النوعين فلا يغررك ما يقرع سمعك من كلام النحاة ، من أن المبتدأ ، والخبر إذا كانا معرفتين فأيهما قدمت فهو المبتدأ ، فهذه قاعدة قد زيفناها وقررنا فسادها في الكتب الإعرابية ، فإن حقيقة الخبر هو المسند به وهو غير خارج عن هذه الماهية بتقديم ولا تأخير ، ولا تعريف ولا تنكير ، وأيضا فإن الخبر عبارة عن الصفة ، والمبتدأ في نفسه عبارة عن الذات ، ولا شك أن الذات بالابتدائية والصفة بالخبرية أحق من العكس ، فإذا بان لك مما ذكرناه بطلان كلامهم ، وأن المبتدأ هو المسند إليه بكل حال ، والخبر مسند به بكل حال فلا يغير هذه الماهية عروض عارض .
--> ( 1 ) انظر الإيضاح / 105 بتحقيقنا ط مؤسسة المختار . القاهرة .